مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

‬قال‭ ‬ يا‭ ‬مقال‮

نحتاج‭ ‬موظفًا‭ ‬بدرجة‭ ‬إنسان‭ ‬



ليست‭ ‬كل‭ ‬الوظائف‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عبقرية‭ ‬خارقة،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬عشرات‭ ‬الشهادات‭ ‬والدورات‭ ‬التدريبية،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬موظف‭ ‬يحفظ‭ ‬اللوائح‭ ‬عن‭ ‬ظهر‭ ‬قلب‭.. ‬هناك‭ ‬وظائف‭ ‬تحتاج‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مؤهل‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬خاص،‭ ‬مؤهل‭ ‬لا‭ ‬يكتب‭ ‬فى‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬ولا‭ ‬تمنحه‭ ‬أكاديمية،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صاحبها‭ ‬إنسانا‭.‬
نعم،‭ ‬إنسان‭ ‬فقط‭.. ‬يشعر‭ ‬بالضعيف،‭ ‬يساعد‭ ‬المحتاج،‭ ‬يرحم‭ ‬كبير‭ ‬السن،‭ ‬ويقدر‭ ‬ظروف‭ ‬المريض،‭ ‬ويدرك‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يقف‭ ‬أمامه‭ ‬فى‭ ‬طابور‭ ‬طويل‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬أمضى‭ ‬عمره‭ ‬فى‭ ‬العمل،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬يطلبه‭ ‬ليس‭ ‬منحة‭ ‬أو‭ ‬فضلا،‭ ‬وإنما‭ ‬حق‭ ‬كفله‭ ‬له‭ ‬القانون‭.‬
الإنسانية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬شروط‭ ‬العمل‭ ‬فى‭ ‬الوظائف‭ ‬التى‭ ‬تتعامل‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬الجمهور،‭ ‬خصوصا‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬وذوى‭ ‬الهمم‭ ‬والمرضى‭ ‬وأصحاب‭ ‬المعاشات،‭ ‬هذه‭ ‬الفئات‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬موظف‭ ‬يردد‭ ‬النصوص‭ ‬واللوائح‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ابتسامة،‭ ‬وكلمة‭ ‬طيبة،‭ ‬وسرعة‭ ‬فى‭ ‬إنهاء‭ ‬الإجراءات،‭ ‬تحتاج‭ ‬من‭ ‬يمد‭ ‬لها‭ ‬يد‭ ‬العون‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتعامل‭ ‬معها‭ ‬بمنطق»فوت‭ ‬علينا‭ ‬بكرة‭ ‬يا‭ ‬سيد‮»‬‭.‬
ولنا‭ ‬فى‭ ‬منظومة‭ ‬التأمين‭ ‬الصحى‭ ‬مثال‭ ‬واضح،‭ ‬فهناك‭ ‬أصحاب‭ ‬معاشات‭ ‬ومرضى‭ ‬يتوجهون‭ ‬بصورة‭ ‬شهرية‭ ‬لصرف‭ ‬العلاج،‭ ‬ليجد‭ ‬بعضهم‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬إجراءات‭ ‬معقدة‭ ‬وطوابير‭ ‬طويلة،‭ ‬وأحيانا‭ ‬مئات‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬ينتظرون‭ ‬منذ‭ ‬ساعات‭ ‬مبكرة،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يفرضه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬مشقة‭ ‬لا‭ ‬تتناسب‭ ‬إطلاقا‭ ‬مع‭ ‬حالتهم‭ ‬الصحية‭ ‬أو‭ ‬أعمارهم،
السؤال‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬عن‭ ‬اللوائح‭ ‬والإجراءات‭ ‬وإنما‭ ‬هل‭ ‬صممت‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬لخدمة‭ ‬المواطن‭ ‬أم‭ ‬لإرهاقه؟
نحن‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬رفاهية،‭ ‬وإنما‭ ‬عن‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬فى‭ ‬آليات‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمة،‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تبسيط‭ ‬الإجراءات،‭ ‬وتقليل‭ ‬التكدس،‭ ‬وتطوير‭ ‬منظومة‭ ‬الحجز‭ ‬والصرف،‭ ‬وإيجاد‭ ‬حلول‭ ‬عملية‭ ‬خارج‭ ‬الصندوق‭ ‬تراعى‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬الفئات،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬تحميلها‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬المعاناة‭.‬
والأمر‭ ‬نفسه‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬التأمينات‭ ‬والمعاشات،‭ ‬التى‭ ‬تتعامل‭ ‬أيضا‭ ‬مع‭ ‬مواطنين‭ ‬بلغوا‭ ‬سن‭ ‬التقاعد،‭ ‬وحان‭ ‬الوقت‭ ‬ليحصدوا‭ ‬ثمار‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬والاستقطاعات‭ ‬من‭ ‬رواتبهم،‭ ‬ليس‭ ‬منطقيا‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬المواطن‭ ‬مرحلة‭ ‬التقاعد‭ ‬بمواجهة‭ ‬البيروقراطية‭ ‬وسوء‭ ‬المعاملة‭ ‬وتعقيد‭ ‬الإجراءات‭.‬
وبالطبع،‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬التعميم،‭ ‬فهناك‭ ‬نماذج‭ ‬مشرفة‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬الذين‭ ‬يؤدون‭ ‬واجبهم‭ ‬بأمانة‭ ‬واحترام،‭ ‬ويقدمون‭ ‬صورة‭ ‬حقيقية‭ ‬للجهاز‭ ‬الإدارى‭ ‬الذى‭ ‬نريده،‭ ‬لكن‭ ‬خطأ‭ ‬موظف‭ ‬واحد‭ ‬فى‭ ‬موقع‭ ‬خدمى‭ ‬قد‭ ‬يهدم‭ ‬فى‭ ‬دقائق‭ ‬ما‭ ‬تبنيه‭ ‬مؤسسة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬ثقة‭ ‬لدى‭ ‬المواطنين‭.‬
لذلك،‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الإنسانية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬معايير‭ ‬اختيار‭ ‬وتقييم‭ ‬الموظفين‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬المواقع،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الكفاءة‭ ‬والمهارة‭ ‬والانضباط‭ ‬وسرعة‭ ‬الإنجاز،‭ ‬فحسن‭ ‬التعامل،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬مساعدة‭ ‬المواطن،‭ ‬وتقدير‭ ‬ظروفه،‭ ‬ليست‭ ‬أمورا‭ ‬هامشية،‭ ‬وإنما‭ ‬معايير‭ ‬أساسية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬واضحة‭ ‬وقابلة‭ ‬للقياس،‭ ‬تخضع‭ ‬لنظام‭ ‬رقابة‭ ‬يضمن‭ ‬الثواب‭ ‬والعقاب‭.‬
نحن‭ ‬لا‭ ‬نطلب‭ ‬المستحيل‭.. ‬نطلب‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬أن‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬ملف‭ ‬مواطنا،‭ ‬وخلف‭ ‬كل‭ ‬رقم‭ ‬إنسانا،‭ ‬وأن‭ ‬الموظف‭ ‬فى‭ ‬موقع‭ ‬الخدمة‭ ‬العامة‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬نفسه‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬يمثل‭ ‬المؤسسة‭ ‬التى‭ ‬يعمل‭ ‬بها،وفى‭ ‬النهاية،‭ ‬قد‭ ‬تتغير‭ ‬النظم،‭ ‬وتتطور‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وتختصر‭ ‬الإجراءات،‭ ‬لكن‭ ‬يبقى‭ ‬أهم‭ ‬عنصر‭ ‬فى‭ ‬أى‭ ‬منظومة‭ ‬خدمية‭ ‬هو‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه،‭ ‬لذلك‭ ‬نحتاج‭ ‬موظفاً‭ ‬بدرجة‭ ‬انسان‭.‬